هل هناك شيء ما يميز الفلسفة على باقي العلوم

أؤكد تأكيدا جازما قاطعا مانعا بأن معظم الذين مروا على شعبة الفلسفة بالجامعات أو الذين ما زالوا يدرسون بها ، لم يكن ولو وحدا منهم قادرا على إنتقاد النظام الذي تدرس به هذه الشعبة سواء كانوا أساتذة أو طلبة . بسبب عبثية النظام الخاص بالفلسفة تم تهجين هذه الأخيرة و إفراغها من كل مميزاتها الفريدة ٬ التي قد لا تجدها بالشعب الأخرى ، من بين هذه الميزات ميزة اللاقاعدة أو اللامعيار، بحيث كما نعلم بأن كل من زاول الفلسفة كان يدلي بدلوه حول موضوع محدد كيفما كان نوعه ، فتتعدد بذلك الأراء وتتنوع كذلك الأفكار التي يطلق عليها في الفلسفة بالنظريات .

ماهي العلاقة الممكنة بين الفلسفة والديمقراطية؟

تعمدت الفلسفة إلغاء القواعد لكونها ديموقراطية في صلبها ، لأنها تقبل جميع الأراء دون لفتها الإنتباه للأعراق وللأعراف أو الديانات ، إنها المجال المفتوح أمام الكل بغض النظر عن المستويات الفكرية التي يتباناها الأفراد المفكرين الباحثين عن الحقيقة .
تعمدت الفلسفة كذلك هذا الأمر لكي لا تتسرب بها الدوغمائية أثناء ممارستها ، فهي لا تكتفي برأي واحد أو رؤية واحدة ، لكونها لا تؤمن بتاتا بالمركزيات العقيمة أو بما يسمى بأحادية الفكر، بل تتخطى هذا الأمر بشكل نهائي وكلي ، ولا تفرق بين مفكريها لأنها لا تهتم بطبقاتهم الإجتماعية .

وهناك أمر مهم من الضروري ذكره ، وهو مقصد نشأة الفلسفة ، الذي يتمثل في إبعاد صبغة التقديس عن كل الموجودات . هذا الإسهاب كله الذي وصفنا بها الفلسفة أصبح منفيا بالجامعات، بحيث قد تجد طلبة الفلسفة ينحصر مخزونهم الفلسفي في كتب والأراء الفلسفية دون محاولتهم لخلق نظرية أو مفاهيم فلسفية تخصهم لا تستند لهؤلاء الفلاسفة المعروفين .

سأستند على قولة بعض الفلاسفة هنا ليس إتكالا أو تواكلا ، وإنما لأبين لطلبة الفلسفة بأنهم بالحقيقة غير معنيين بالفلسفة ، لكونهم لم يستوعبوا بعد ما درسوا مع وجود نسبة إستثنائية أكن لها كامل إحترامي لكوني وجدت بهم شيئا لم أجده بباقي الطلبة والأساتذة ، يقول جيل دولوز : ” إن مهنة الفيلسوف هي صناعة المفاهيم … “ .

الفلسفة وتقديس لنظرية الفلاسفة

صار الفلاسفة الذين مروا بالقرن السادس قبل الميلاد إلى الفترة التي لقبت بفترة المعاصرة رموزا مقدسة بالجامعات ، فأصبحت بذلك أقوالهم وأرائهم ونظرياتهم مقدسة بدورها ، لا تقبل أي تعقيب أو إنتقاد ، وكل من تجرأ ليطرح نظريته الحديثة قد تنافي ما جاء على لسان هذا الفيلسوف أو ذاك ، سيلقى عقابا نفسيا أمام العلن . حتى أمسينا نشاهد دينا جديدا تعددت به الطوائف والمذاهب ، وإنتشر بذلك الصراع المعرفي وظهرت الإديولوجيات المتفرعة .

فأصبح الاستاذ يلقي خطبا تشبه بشكل كبير خطبة يوم الجمعة ، وصرت أرى بالشعبة كتبا مقدسة كالإنجيل والقرآن والتوراة ، لا كتبا فلسفية ، وبمكان الأنبياء بصرت فلاسفة ، وبمكان الكعبة نظرت للأغورا ، و تغيرت دولة السعودية لكي تصير بمكانها دولة اليونان ، والصراع الذي لطالما عيناه بين الديانة المسيحية والديانة الإسلامية أصبحنا نشاهده بين المشارقة والمغاربة ، فالجانب الأول يجزم بأن نشأة الفلسفة كانت بأروبا ، والجانب المقابل ينفي ذلك .

ما هي لغة الفلسفة

هناك نقطة ثانية لايجب علي التغافل عنها هي نقطة اللغة التي تشرح بها فلسفة وكذلك التي تترجم بها الكتب الفلسفية ، إذ أن اللغة التي ترجمت بها هذه الأخيرة جائت بمفاهيم ومصطلحات غريبة معقدة ، تصعب على القارئ العمومي فهمها . ربما هذا التعقيد يبين على بمدى عقم وضعف الطرف الذي يستعملها عمدا ، لكي يتفادى أمرا ما .

فكيف نقول عنها فلسفة إذا لم يبدي الطلبة أرائهم الشخصية ؟ فكيف نقول عنها فلسفة إذا لم نصنع نظريات ومفاهيما تخصنا ؟ فكيف نسميها فلسفة في حالة ما إذا إقتصرنا على نسخ أراء الفلاسفة وحفظها دون التعقيب والتحليل والنفي ؟ فكيف نسميها فلسفة إذا لم تفتح موائد النقاش ؟

أظهر المزيد حسب عبدالرزاق بنسلام
المزيد في موضوعات ساخنة

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

يمكنك الإطلاع على هذا

انواع الامراض النفسية والعصبية

الامراض النفسية والعصبية هو أحد الأمراض التى تصيب الإنسان ولكن الفرق بينها وبين غيرها من ا…